عبد الرحمن بدوي

23

الأخلاق عند كنت

العليّة وهنا نصل إلى موقف كنت من نقد هيوم لفكرة العليّة : إنه يبدأ فيؤيده في قوله إننا لا نستطيع بالعقل أن ندرك امكان العليّة ، أي علاقة الوجود بين موضوع وبين موضوع آخر يضعه الأول ضرورة . كذلك يضيف كنت أننا لا نستطيع أن نفهم معنى البقاء ، أي ضرورة أن يتأسس وجود الأشياء على ذات لا يمكن من نفسها أن تكون محمولا لشيء آخر ؛ كما أننا لا نستطيع تصور إمكان مثل هذا الشيء ؛ وعدم الفهم هذا يمتد أيضا إلى العلاقات المتبادلة بين الأشياء ، لأننا لا نفهم كيف أنه يمكن من حال شيء أن نستنتج حال أشياء خارجة عنه ، وبالعكس ؛ ولا كيف أن أشياء لكل منها وجوده الخاص المنفصل يجب أن يتوقف بعضها على بعض على نحو ضروري . لكن كنت لا يقرّ بأن هذه التصورات مستمدة من التجربة ، وان الضرورة المتمثلة منها هي مجرد وهم واختراع ومظهر ناتج عن طول الاعتياد . إنما يقرر أن هذا التصور ، تصور الرابطة العليّة والمبادئ المنحدرة عنه ، قد تقررت قبليا قبل كل تجربة ، وأنها ذات دقة موضوعية لا يتناولها الشك . وإذن فعلى الرغم من أنه ليس لدينا أية فكرة عن هذا الارتباط بين الأشياء في ذاتها ، من حيث هي جواهر ، أو تؤثر بوصفها عللا ، فإن لدينا مع ذلك تصورا عن تسلسل الامتثالات في ذهننا ، وفي الأحكام بوجه عام ، أعني أن الامتثالات تندرج تحت مقولة الأحكام من حيث العلاقة بين الذات والمحمولات وفي مقولة أخرى من حيث علاقة العلة مع المعلول ، وفي مقولة ثالثة من حيث تكوين معرفة كلية ممكنة . كذلك نعرف بطريقة قبلية أننا إذا كنا لا نعتبر امتثال الموضوع متحددا بالنسبة إلى هذه العلاقة أو تلك ، فإننا لن نستطيع تحصيل معرفة صادقة بهذا الموضوع .